فخر الدين الرازي
299
القضاء والقدر
الإتيان بهذه الأفعال ، فلو كانت من خلق اللّه ، لصار هذا الحث والترغيب باطلا . الحجة الثامنة عشر : عن عبد اللّه بن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أحب أن يزحزح عن النار ، ويدخل الجنة فلتدركه منيته ، وهو مؤمن باللّه واليوم الآخر ، وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » « 1 » ووجه الاستدلال : إنه لو كان الإيمان بخلق اللّه تعالى ، لكان هذا الترغيب عبثا . لأن العبد لا يقدر على أن يموت مؤمنا إذا خلق اللّه فيه الكفر ، ولا يقدر على أن يموت كافرا إذا خلق اللّه الإيمان فيه . الحجة التاسعة عشر : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « البيان من اللّه ، والعيّ عن الشيطان . وليس البيان كثرة الكلام ، ولكن البيان : الفصل في الحق ، وليس العيّ قلة الكلام ، ولكن من سفه الحق » « 2 » وهذا نص في موضع الخلاف . الحجة العشرون : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل : حرثت يا أبا هريرة ألم تسمع إلى قول اللّه : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ؟ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ « 3 » وهذا من أوضح الدلائل على وجوب التفرقة بين فعل اللّه وبين فعل العبد . فثبت : أن الفعل المضاف إلينا مغاير للفعل المضاف إلى اللّه . ولنكتف بهذا القدر من الأخبار . فإن من وقف عليها يمكنه التمسك بأخبار كثيرة سوى ما ذكرناه . والمعتمد لنا في الجواب عن الكل : أن الأخبار التي تمسكنا بها على صحة قولنا معارضة لهذه الأخبار ولما تعارضت الأخبار وجب الرجوع إلى دلائل العقل . وقد بينا ؛ أن دلائلنا العقلية أقوى وأكمل وأوضح . وباللّه التوفيق
--> ( 1 ) حديث « من أحب أن يزحزح عن النار » جزء من خطبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم أولها : « إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم . . » رواه مسلم في الإمارة باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ( 3 / 1472 رقم 1844 ) . أبو داود في الفتن باب ذكر الفتن . ودلائلها ( 4 / 94 رقم 4248 ) ( روى طرفا منه ) والنسائي ( 7 / 153 ) وابن ماجة ( 2 / 1306 رقم 3956 ) وأحمد ( 2 / 161 و 191 و 192 ) . ( 2 ) حديث « البيان من اللّه . . . » روى جزءه من قوله « ليس البيان » الديلمي في فردوس الأخبار ( 3 / 445 رقم 5256 ) . وعزاه السيوطي للديلمي قال المناوي فيه رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وكلاهما ضعيفان ( فيض القدير 5 / 356 ) . وهو يتعارض مع الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق » ويمكن الجمع بين الحديثين بحمل كل منهما على مورد مختلف ويكون الأول لفصل بيان الحق عن بيان النفاق وعي الشيطان عن عي اللسان . ( 3 ) حديث « لا يقولن أحدكم زرعت . . . » رواه البزار ( كنوز الحقائق المناوي ( ص 188 ) وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 267 ) وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه ( الدر المنثور 6 / 160 ) والديلمي ( فردوس الأخبار 5 / 254 ) والآية المذكورة هي من سورة الواقعة ( رقم 63 و 64 ) .